ابن حمدون

213

التذكرة الحمدونية

الناس إلَّا ما أرادوا ، ولا يخرج لك عامل إلَّا خوّنوه عندك ، وبغوه [ 1 ] حتى تسقط منزلته ؛ فلما انتشر ذلك عنهم وعنك أعظمهم الناس وهابوهم وصانعوهم ، وكان أوّل من صانعهم عمّالك بالهدايا والأموال ليقووا بها على ظلم رعيّتك ؛ ثم فعل ذلك ذوو القدرة والثروة من رعيّتك ليتناولوا ظلم من دونهم ، فامتلأت بلاد اللَّه بغيا وفسادا ، وصار هؤلاء القوم شركاءك ، وأنت غافل . فإن جاء متظلَّم حيل بينه وبينك ، وإن أراد رفع قصّته إليك وجدك قد نهيت عن ذلك ، ووقّفت للناس رجلا ينظر في مظالمهم ، فإن جاء ذلك الرجل المتظلَّم فبلغ بطانتك خبره ، سأل بطانتك [ صاحب المظالم ] أن لا يرفع مظلمته إليك ، فلا يزال المظلوم يختلف إليه ويلوذ به ويشكو ويستغيث و [ هو ] يدفعه ، فإذا جهد وأخرج ثم ظهرت طرح [ 2 ] بين يديك ، فيضرب ضربا مبرحا حتى يكون نكالا لغيره ، وأنت تنظر فلا تنكر ، فما بقاء الإسلام على هذا ؟ وقد كنت يا أمير المؤمنين أسافر إلى الصين ، فقدمتها مرة وقد أصيب ملكهم بسمعه ، فبكى يوما فحداه جلساؤه على الصبر فقال : أمّا إنّي لست أبكي للبليّة النازلة ، ولكنّي أبكي لمظلوم يصرخ فلا أسمع صوته ؛ فأمّا إذ ذهب سمعي [ 3 ] فبصري لم يذهب ؛ نادوا في الناس ألَّا يلبس ثوبا أحمر إلَّا مظلوم . ثم كان يلتفت طرفي النهار هل يرى مظلوما . فهذا يا أمير المؤمنين مشرك باللَّه بلغت رأفته بالمشركين هذا المبلغ ، وأنت مؤمن باللَّه ثم من أهل بيت نبيّه صلَّى اللَّه عليه وسلم ، لا تغلبنّك [ 4 ] رأفتك بالمسلمين على شحّ نفسك . قال : فبكى المنصور ثم قال : ويحك كيف احتيالي لنفسي ؟ قال : يا أمير المؤمنين ، إنّ للناس أعلاما يفزعون إليها في دينهم فيرضون بها [ 5 ] في دنياهم ، فاجعلهم بطانتك